أسعار برميل النفط ترسم ملامح الاقتصاد العالمي الجديد : هل هي الحرب الاقتصادية؟

على الرغم من التداعيات الاقتصادية الهائلة للحرب الروسية الأوكرانية، إلا أن أسعار برميل النفط وحدها قد تكون اللاعب الرئيسي في رسم ملامح الاقتصاد العالمي الجديد ، وذلك من حيث التأثيرات السلبية التي ستطال الجميع، بل إنها ستطال تعطيل مكافحة تغير المناخ الكارثي.

فيكفي أن تدرك بأن ارتفاع أسعار برميل النفط سيؤدي إلى:

ارتفاع اسعار الطاقة، وبالتالي تكاليف الانتاج، ومن ثم معدلات الاسعار، ستدفع التضخم في الدول المتقدمة للارتفاع بنقطتين مئويتين اضافيتين.

بينما سيؤدي هذا الارتفاع السعري، إلى وصول التضخم لدى العديد من الدول الاخرى إلى نسبة 10%.

فيما سيبتعد العالم عن مكافحة كارثة تغير المناخ أثناء انشغالهم بتأمين احتياجاتهم من النفط والغاز.

أما عن قدرة أمريكا على تأمين احتياجات العالم، فيبدو بأنها بعيدة، بسبب الضرر الذي أصاب حقول نفطها، وتحديدها النفط الصخري.

بينما ستقوم الدول الأخرى المصدرة للنفط، باستغلال الارتفاعات السعرية مثلما حدث بين 2005-2008.

وهذه المعطيات السابقة، قد تعيد بالفعل رسم خارطة الاقتصاد العالمي الجديد ، بل قد تؤدي إلى نتائج ومعطيات لن تتضح الآن ما لم يتم التدخل بشكل سريع ورسمي لانهاء التوترات بأي طريقة كانت، وفيما يلي تجدون تفاصيل النقاط السابقة:


سعر برميل النفط يمثل حربا اقتصادية؟!

يقول دانيال يرغين نائب رئيس IHS Markit ومؤلف كتاب The New Map لصحيفة الفاينانشال تايمز:

“المرحلة التالية هي حرب اقتصادية، والنتيجة النهائية لهذا يمكن أن يكون صدمة كبيرة للاقتصاد العالمي”.

وقد وصلت أسعار برميل النفط، وتحديدا خام برنت المعيار العالمي، إلى ما يقرب من 106 دولارات وهو أعلى سعر منذ 2014.

ولكن المخاوف الآن تتزايد بأن تقوم روسيا بحجب كامل صادرات غازها الطبيعي الذي يمثل ثلث احتياجات القارة من الغاز.

وهو الأمر الذي لم يتم حتى الآن وذلك بعد تصريحات الكرملين باحترام العقود طويلة الأجل مع العملاء في القارة العجوز.

ولكن زيادة العقوبات الغربية، قد تدفع الكرملين إلى اتخاذ عقوبات صارمة تمنع امدادات الغاز التي تمثل ثلث احتياجات أوروبا.

المشكلة ليست في حجب ثلث احتياجات أوروبا!

لا تتمثل المشكلة في حجب الثلث عن أوروبا فحسب، بل إن المشكلة ستمتد إلى ما تبقى من احتياجات أوروبا لهذه الامدادات.

بحيث ستكون احتياجات أوروبا من النفط والطاقة أمام ارتفاعات سعرية سيستغلها المصدرون الآخرون كما حدث في سوق النفط 2005-2008.

أما على صعيد العزلة التي ستصيب روسيا، فربما، أنها ستصب في مصلحتها خلال الارتفاعات السعرية.

حيث يتحدث البعض عن استفادة روسيا على المدى المتوسط، وذلك من خلال قدرتها على إعادة ملئ خزاناتها، وارتفاع عائداتها النفطية التي ستذهب إلى الحلفاء والأصدقاء.

كما ويؤكد البعض على أن روسيا قد تستفيد على صعيد صندوقها السيادي الوطني.

حيث ارتفعت قيمته من 32 مليار دولار عام 2008، إلى 175 مليار دولار خلال الشهر الحالي.

وهو ما يمثل حوالي 10% من الناتج المحلي الإجمالي الروسي ، الذي يبلغ 1.7 تريليون دولار تقريبا.

ولكن هذه الآثار الإيجابية، لن تكون بمعزل عن الاعتراف بتأثر روسيا، وتحديدا على صعيد عزلتها عن النظام المالي.

هل الحرب الروسية الأوكرانية هي السبب وراء هذه الحرب الاقتصادية؟

لا يمكن القاء اللوم على بوتين وحده في هذه الأزمة التي تلتف حول قطاع الطاقة.

حيث أدت حزم التحفيز الهائلة التي قامت بها الحكومات لتنشيط الاقتصاد بعد فايروس كورونا، إلى تعافي الطلب على النفط والغاز.

فارتفع معدل الاستهلاك الأمريكي من النفط إلى 23 مليون برميل يوميا، وهو ما يعادل ربع الإجمالي العالمي.

بينما تقول وكالة الطاقة الدولية إن العالم سيحرق 100.6 مليون برميل في اليوم هذا العام ، وهو مستوى مرتفع جديد.

إذن هل ستقوم أمريكا بدورها لإنقاذ العالم؟

يبدو بأن النفط الأمريكي وتحديدا الصخري، قد تعرض إلى مشاكل عميقة أدت إلى إفلاس شركات وإغلاق حقول نفطية كاملة خلال فترة الوباء.

بل إن إنتاج الولايات المتحدة يمثل أقل بنسبة 11% من أعلى مستوى له قبل انتشار الوباء، وهو بعيد كل البعد عن تلبية الاحتياجات العالمية.

ويقول بن لوكوك ، الرئيس المشارك لتجارة النفط في ترافيجورا:

“هناك الكثير من السيناريوهات التي يكون فيها النفط ، في الصيف ، 150 دولارًا للبرميل”.

بينما يذهب بعض المحللين إلى التفاؤل بشأن الاتفاق النووي الايراني الذي سيسمح بإعادة النفط الإيراني للسوق.

كما يتوقعون أن أسعار النفط الخام المرتفعة ستقنع منتجي الصخر الزيتي بالضخ بشكل أسرع مما كان مخططا له.

وبغض النظر عن هذا التفاؤل، فإن البقاء في ظل التوترات الحالية قد يدفع برميل النفط إلى مستويات 120-140 دولار خلال هذا العام، بحسب تصريحات نيل شيرينج ، كبير الاقتصاديين في كابيتال إيكونوميكس .

كما أضاف قائلا:

“ارتفاع اسعار النفط والغاز سيرفع التضخم في الاقتصاديات المتقدمة بمقدار نقطتين مئويتين اضافيتين”.

بينما ووفقا لما قاله نيل شيرينج، فإن معدلات التضخم لدى العديد من الدول سترتفع إلى ما يقرب من 10%.

الاقتصاد العالمي الجديد لن يهتم بكارثة تغير المناخ؟

يُلاحظ تحول اهتمامات العالم نحو تحسين الظروف الاقتصادية، ومحاربة التضخم، وتحديدا من خلال الحرص على إعادة النفط إلى أسعار دون 100 دولار.

وكأن العالم عاد للتركيز على النفط كبوابة رئيسية لتشجيع وتنشيط الاقتصاد دونما الانتباه إلى الطاقة النظيفة.

كما يمكن ملاحظة هذا التحول من خلال خطاب بايدن الذي انتقل من الحرص على سياسات المناخ، إلى الحفاظ على أسعار البنزين في الوقت الحالي.

وهو ما يبرز انشغال العالم عن الطاقة الخضراء والنظيفة والآمنة لصالح الاهتمام بأرقام التضخم وأمن الطاقة.

يقول مورجان بازيليان ، مفاوض سابق بشأن المناخ في الاتحاد الأوروبي:

“ارتفعات بسيطة في أسعار الوقود لها تداعيات سياسية أكبر من الاهتمام بالمناخ نفسه”.

مجدي النوري مُدون وصانع محتوى اقتصادي، عمل في مجال الدراسات في إحدى أهم المؤسسات الاقتصادية في فلسطين، وقام بكتابة العديد من المقالات والأبحاث الاقتصادية، لديه العديد من الشهادات والدورات الاقتصادية لدى العديد من الجهات المحلية والدولية