التضخم! البداية والمعضلة والكارثة ومستقبل الدولار والذهب والأسهم

منذ نهاية عام 2021 كانت بعض العيون الخبيرة تحذر من رعب معدل التضخم، ثم أصبح التحذير مطلبا عالميا منتصف عام 2022، ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن، والعالم بأسره ينظر للتضخم على أنه الرعب الذي تحاول البنوك المركزية هزيمته دون جدوى، فما الذي تحتاجه البنوك المركزية حقا لهزيمة التضخم؟ وهل يمكن أساسا هزيمة التضخم؟!

البداية!

منذ عام 1989 انطلقت (على سبيل الدعابة أو السخرية) معركة البنوك المركزية للحفاظ على التضخم وضبط غلاء الأسعار في الأسواق، بعدما تم الضغط على محافظ البنك المركزي النيوزلندي الذي أشار عبر مقابلة تلفزيونية إلى أنه يستهدف إبقاء التضخم بين الصفر و1%، ثم مع مرور الزمن ارتفعت إلى 2% كحد أقصى تسمح البنوك المركزية للتضخم بأن يصلها مع الحرص على عدم تخطيها، ثم وفي عام 2012 قام الفيدرالي وعلى رأسه محافظه (بن برنانكي) بتحديد 2% كمعدل مستهدف رسمي لا يُسمح للتضخم بتخطيه.

المعضلة!

إن ارتفاع التضخم، أو ما يسمى بغلاء الأسعار، يحدث من خلال أمرين اثنين هما: إما ارتفاع القدرة الشرائية لدى الأفراد، أو انخفاض المعروض من السلع والخدمات.

وفي حالتنا ومنذ عام 2020، اجتمع هذان العاملان، فتم ضخ تريليونات الدولارات خلال شهور بعد إغلاق العالم لأبوابه مُجبرا بسبب الجائحة، وهو الإغلاق الذي خفض من حجم المعروض أيضا.

وبذلك كانت معدلات التضخم ترتفع بشكل سريع، دونما أن يكون مُلاحظا بين أوساط الأسواق بالشكل اللازم الإنتباه إليه، وذلك حينما ارتفع من 1.4% إلى أكثر من 5% في ثمانية شهور خلال عام 2021.

وهي النسبة المنطقية، بعدما ضخت أميركا لوحدها خمسة تريليونات دولار أميركي في شهور، أي أنها ضخت حجم اقتصاد ألمانيا، التي احتاجت أكثر من نصف قرن لتحقق هذا الرقم في اقتصادها البالغ نحو 4.5 تريليونات دولار.

كما أن ارتفاع التضخم جاء منطقيا، بعدما خفض الفيدرالي الفائدة من قبل البنوك، وهو ما زاد من حجم الاقتراض الذي غذى القدرة الشرائية من جانب آخر (وإن كان ذلك جزءا من حزم التيسير النقدي الذي اتخذته الحكومة الأميركية لتنشيط اقتصادها).

الكارثة!

بعد استعراض بداية التضخم كمعدل مستهدف كان مطلوبا ثم أصبح رسميا، وبعدما تحدثنا عن الأسباب الرئيسية التي دفعت التضخم لجنون الارتفاع الذي ما زالت البنوك المركزية تحاول إنهاءه بكل السبل منذ عامين دون جدوى، نأتي للكارثة التي تحيط بهذا التضخم.

فسبب ارتفاع التضخم متمثلا بالقوة الشرائية لدى الأفراد نتيجة انخفاض الفائدة وحزم تحفيز الجائحة، يمكن علاجه كسبب وبسهولة، من خلال الضغط على سوق العمل أو من خلال تخفيض الفائدة، ولكن هذه الوسائل إضافة إلى أمور أخرى ستؤدي إلى تفاقم التضخم أيضا.

فالضغط على سوق العمل لتخفيض القدرة الشرائية، سيقود نحو تخفض القدرة الإنتاجية بشكل أو بآخر، أو ارتفاع البطالة وانخفاض القدرة الشرائية بشكل يؤدي إلى إلحاق الأذى بإنتاج الشركات، التي ستقود (وتحديدا الصغير منها) إلى إرسال عدد أكبر من العاطلين عن العمل إلى المنزل.

أما الاضطرابات الجيوسياسية بين أميركا والصين وروسيا ودول أخرى فإنها ستكون كفيلة بإلحاق الضرر بسلاسل التوريد ورفع الأسعار أيضا.

كما أن الثورة التكنولوجية الجديدة والتي ستتطلب أحجام استثمارات هائلة، فإنها لن تسمح بتلك الانخفاضات الكبيرة من قبل البنوك، وذلك بسبب يقين البنوك في مسألة ارتفاع الرغبة في الحصول على القروض لضخها لاحقا في مجال التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

النتيجة والدولار والذهب والأسهم!

إذا ركزنا في الكارثة، فإننا سنجد بأن الفيدرالي يقوم دائما بالتمسك بالفوائد المرتفعة لأنه يعي تماما بأن انخفاض التضخم شيء، وانخفاضه لمستويات 2% شيء آخر، وهو ما سيجعله متمسكا بالفوائد المرتفعة حتى وإن انخفضت بنسبة بسيطة، ليس لأنه يريد هزيمة التضخم فحسب، بل ولأنه لا يريد إعطاء مساحة جيدة لعودة التضخم للارتفاع وفقا لما ورد في قسم (الكارثة!).

وهو ما يجعل من فكرة الدولار المتماسك لفترة أطول أمر جيد، أما الأسواق المالية فإنها ستبقى في تحسن مع أي تخفيض مهما كان بسيط المقدار أو المرّات وذلك بفضل الاستثمارات بالثورة التكنولوجية الحقيقية متمثلة بالذكاء الاصطناعي، فيما سيكون الذهب متألقا بشكل مؤقت مع أول تخفيض للفوائد على أن يعاود الانخفاض مع أول بادرة لتحرك العجلة الاقتصادية العام المقبل.