الدولار مقابل الشيكل: لماذا لا يتدخل بنك إسرائيل رغم القوة المفرطة للعملة؟

يشهد الدولار الأمريكي مقابل الشيكل الإسرائيلي واحدة من أضعف مراحله منذ سنوات، في ظل استمرار قوة الشيكل بشكل لافت.

هذا الواقع يثير تساؤلات عديدة لدى المتابعين، وأبرزها:

لماذا لا يتدخل بنك إسرائيل بشكل مباشر لخفض قوة العملة وحماية الاقتصاد وتحديداً الصادرات؟

في هذا المقال، نستعرض العوامل الرئيسية التي تفسر المشهد الحالي بلغة واضحة ومبسطة.

أولاً: ارتفاع الاحتياطيات الأجنبية يدعم الاستقرار

تُظهر البيانات الأخيرة أن احتياطيات النقد الأجنبي لدى بنك إسرائيل ارتفعت بشكل طفيف، مدفوعة جزئياً بانخفاض قيمة الدولار عالمياً.

حيث بلغت قيمة الاحتياطيات في شهر يناير نحو 233  مليار دولار، مقارنة بـ 216  مليار دولار في يناير 2025.

هذا الارتفاع يعكس قوة المركز المالي للدولة، ويمنح البنك المركزي هامشاً واسعاً للتحرك عند الحاجة، دون استعجال التدخل المباشر في سوق الصرف.

ثانياً: قوة الشيكل ليست داخلية فقط… ضعف الدولار عامل أساسي

لا تعود قوة الشيكل إلى العوامل المحلية فقط، مثل متانة القطاع التكنولوجي أو الاستثمارات الأجنبية، بل ترتبط أيضاً بضعف الدولار الأمريكي عالمياً.

فعندما يتراجع الدولار في الأسواق العالمية، تميل العملات الأخرى – ومنها الشيكل – إلى الارتفاع تلقائياً، حتى دون وجود تغيرات جوهرية في الاقتصاد المحلي.

ثالثاً: العلاقة الطردية بين الشيكل ومؤشر ناسداك

من العوامل المهمة أيضاً الأداء القوي لمؤشر ناسداك، الذي يضم كبرى شركات التكنولوجيا الأمريكية.

هناك علاقة طردية واضحة بين الشيكل وناسداك، حيث يؤدي صعود المؤشر عادةً إلى تعزيز قوة الشيكل، نظراً لارتباط الاقتصاد الإسرائيلي الوثيق بقطاع التكنولوجيا العالمي والاستثمارات في هذا المجال، حيث يندفع المستثمرون الإسرائيليون إلى بيع الدولار الأمريكي في حال انخفاض أسهم التكنولوجيا وهو ما يعطي قوة للشيكل.

ورغم التذبذبات الأخيرة، فإن الأداء التاريخي القوي للمؤشر ساهم في دعم العملة الإسرائيلية وتحديداً بعد الانطلاقة القوية التي سجلتها الأسهم بعد أبريل 2025.

رابعاً: هل الشيكل القوي يضر الاقتصاد؟

رغم أن العملة القوية تعكس ثقة المستثمرين، إلا أن لها آثاراً سلبية جزئية، خاصة على الصادرات.

العديد من الشركات التكنولوجية – مثل إنفيديا – عادت أو وسّعت نشاطها داخل الاقتصاد الإسرائيلي، لكن بعض المشاريع الإنتاجية لم تنطلق بعد بكامل طاقتها التصديرية.

ومع قوة الشيكل، تصبح الصادرات أقل تنافسية من حيث السعر، ما قد يضغط على الشركات الصناعية في المدى القصير.

خامساً: الدولار مقابل الشيكل: لماذا لا يتدخل بنك إسرائيل رغم القوة المفرطة للعملة؟

يمتلك بنك إسرائيل القدرة على التدخل، لكنه يفضل حالياً ما يُعرف بـ”التدخل الناعم”، بدلاً من الضخ المباشر للدولارات كما حدث في 2021 أو في نهاية 2023 عندما ضخ نحو 8 مليارات دولار لدعم الشيكل.

أي تدخل مباشر في المرحلة المقبلة سيعتمد على عدة عوامل رئيسية:

  1. عودة الإنتاج والتصدير بكامل قوتهما

إذا عادت عجلة الإنتاج إلى وتيرتها الطبيعية، وارتفعت الصادرات، فقد يتغير ميزان العرض والطلب على العملة.

وعلى الرغم من استقرار الصادرات الإسرائيلية، إلا أنها ما زالت مرتبطة بشكل كبير بعودة الاستقرار السياسي الداخلي والذي سيتضح بشكل أكبر ما بين شهري اكتوبر ونوفمبر من العام الحالي.

حيث يرى المحللون أن الاستقرار السياسي قد يدفع عجلة الإنتاج والتصدير إلى مستويات أعلى، وهو ما سيتطلب سعر صرف مستقر عند مستويات وسطية تتراوح بين 3.5 و3.6 شيكل للدولار.

  1. استقرار أسواق المال الأمريكية

تعيش الأسواق الأمريكية حالة من عدم اليقين، مع مخاوف من تصحيح حاد شبيه بما حدث في أبريل الماضي، عندما ارتفع الدولار مؤقتاً إلى مستوى 3.6 شيكل، وبذلك فإن وضوح الرؤية في هذه الأسواق سيكون عاملاً حاسماً لتدخل البنك المركزي الإسرائيلي ليقوم بالتدخل المباشر بشكل يشبه ما حدث عام 2021 حينما كان سعر الصرف عند 3.1 شيكل للدولار الواحد.

  1. سياسة الفيدرالي الأمريكي:

على الرغم من قدرة المركزي الإسرائيلي على التدخل، إلا انه قد يتريث حتى تتضح رؤية أسعار الفائدة الأمريكية وتحديداً في النصف الثاني من هذا العام.

حيث تسعر الأسواق احتمالية بدء في دورة خفض أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي خلال النصف الثاني من العام، وهو ما سيؤدي غالباً إلى مزيد من ضعف الدولار، وذلك وفقا لنتائج استطلاع رأي حديث قام به بنك أوف أمريكا.

وفي هذه الحالة ستكون الصورة أوضح بالنسبة للمركزي الإسرائيلي للتدخل عبر مختلف الوسائل لإيقاف قوة الشيكل حينها.

الخلاصة: الانتظار الاستراتيجي وليس تجاهلاً للمشكلة

لا يعني عدم تدخل بنك إسرائيل حالياً أنه يتجاهل قوة الشيكل المفرطة، بل يبدو أنه يترقب اللحظة المناسبة للتدخل، بناءً على تطورات الاقتصاد المحلي والأسواق العالمية.

في ظل احتياطيات قوية، وضع مالي مستقر، وترقب لتحركات الفيدرالي والأسواق الأمريكية، يفضل البنك المركزي إدارة المشهد بحذر، بدلاً من اتخاذ خطوة قد تكون مكلفة أو غير ضرورية في هذا التوقيت.

مجدي النوري مُدون وصانع محتوى اقتصادي، عمل في مجال الدراسات في إحدى أهم المؤسسات الاقتصادية في فلسطين، وقام بكتابة العديد من المقالات والأبحاث الاقتصادية، لديه العديد من الشهادات والدورات الاقتصادية لدى العديد من الجهات المحلية والدولية  

اترك تعليقاً