أسباب تمسك التحليل الأساسي للدولار الأمريكي التي تقضي بضرورة ارتفاعه

خرجت الأسواق المالية بعد بيانات التضخم الأمريكية وكأنها منتصرة، وأنَّ ما كان يتم الحديث عنه من رفعٍ للفوائد بشكل كبير لن يكونَ الفيدرالي مضطرا للقيام به، وذلك أن الانخفاض في مستويات الأسعار جاء أفضل من التوقعات، إلا أنَّ هذه المشاعر قد تكون خاطئة بشكل أو بآخر، خاصَّة بعد التصريحات الرسمية من قبل المسؤولين الفيدراليين أنفسهم بعد البيانات الأمريكية، وفيما يلي أسباب تمسك التحليل الأساسي للدولار الأمريكي التي تقضي بضرورة ارتفاع الدولار.

وقبل الدخول في التفاصيل فإنه لابد من وضع النتائج بشكل مختصر لمن لا يرغب في القراءة بشكل معمق.

إنَّ الدولار الأمريكي وتحديدا في الأسواق الفلسطينية سيكون ضمن نطاق هابط خلال هذا الشهر، وتحديدا حتى موعد المركزي الاسرائيلي في الثالث والعشرين من الشهر الجاري.

وهو الاجتماع الذي سيزيد من صعوبة إستيعاب الأسواق لفكرة أنَّ الدولار سيتلقى دعما إيجابيا من قبل الفيدرالي في اجتماعاته القادمة، خاصَّة وأن التضخم الأمريكي ما زال قويا.

كما ستزداد صعوبة استيعاب أن الدولار الأمريكي ما زال متمسكا بقوته، وذلك بعدما ضربت الأسواق المالية بعرض الحائط كل تصريحات المسؤولين وتحليلات المحللين والبيانات التي تبعت بيانات التضخم، والمؤشرات البديلة الأخرى المؤيدة لفكرة رفع الفوائد.

لذا فإن ما سيتم وضعه أمامكم من تفسيرات للتحليلات الأساسية التي ما زالت تتمسك بفكرة ارتفاع الدولار الأمريكي، سيحتاج إلى ذهن متفتح للقراءة، واستيعاب للتصريحات، وتحديدا التوقيت اللازم لمنهج القوة التي يراها التحليل الأساسي للدولار الأمريكي .

أسباب تمسك التحليل الأساسي للدولار الأمريكي التي تقضي بضرورة ارتفاعه

أولا. ما الذي حدث يوم الاربعاء ؟

صدرت مساء أمس الأربعاء بيانات التضخم الأمريكي، والذي أشار إلى انخفاض معدل التضخم عن التوقعات من 9.1% إلى 8.5%.

لترتفع بعد ذلك الاسواق المالية بشكل ملحوظ، وينخفض معها الدولار الأمريكي، بسبب ارتفاع مشاعر المخاطرة وانخفاض الرهانات على قيام الفيدرالي برفع الفائدة بشكل كبير خلال الاجتماعات القادمة، والبدء بتخفيضها ابتداء من العام القادم.

حيث أغلق مؤشر ناسداك مرتفعا بنسبة 20% من أدنى مستوى له في يونيو.

بينما خرج مؤشر داو جونز الصناعي بأرباح مميزة، مغلقا على ارتفاع نسبته 1.63% ليحقق مكاسب بمقدار 535 نقطة كاملة.

ثانيا. لماذا قد تكون الأسواق قد قرأت التضخم بشكل خاطئ؟

سنضع بين أيديكم الأسباب التي تدعو التحليل الأساسي للدولار الأمريكي إلى التمسك بمسألة الصعود على المدى القصير.

السبب الأول. التسرع وعدم الاستماع إلى تصريحات المسؤولين الأمريكيين:

يبدو أن القراءة السريعة والمتسرعة لبيانات التضخم، جاءت دون أن يستمع أحد من المتفائلين إلى العديد من الأمور التي حدثت بعد ساعات من صدور بيانات التضخم.

حيث قال نيل كاشكاري رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس:

“إن الاحتياطي الفيدرالي بعيد كل البعد عن إعلان النصر بشأن التضخم، رغم القراءات الجيدة والمرحب بها عن التضخم”.

كما أكد كاشكاري أن التضخم وعلى اساس شهري ما زال مرتفعا بنسبة 8.5% مقارنة بالعام الماضي.

وقد أكد كشكاري أيضا على مسألة المضي قدما في رفع الفوائد قائلا:

“إنني لا أرى أي شيء سيغير من الحاجة إلى رفع معدل سياسة بنك الاحتياطي الفيدرالي إلى 3.9% بحلول هذا العام، وإلى 4.4% نهاية العام القادم”.

أما تشارلز إيفانز رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو فقد قال:

“إن التضخم ما زال مرتفعا بشكل غير مقبول”.

كما قالت ماري دالي ، رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في سان فرانسيسكو :

“إنه من السابق لأوانه للغاية بالنسبة للبنك المركزي الأمريكي “إعلان النصر” في معركته ضد التضخم”.

ومع ذلك ، قالت دالي:

“نقطة الاساس القادمة في رفع الفائدة ستنطلق من نصف نقطة، ولكني لا استبعد زيادة بنسبة 0.75% على التوالي للمرة الثالثة في الاجتماع القادم”.

بينا قال كريم بسطة كبير الاقتصاديين في III Capital Management:

“إن الفيدرالي يحتاج إلى الكثير من الأدلة على تباطؤ التضخم … لكن هذه بداية جيدة”.

فيما كتبت روبييلا فاروقي من High Frequency Economics، والتي تمسكت بدعوتها لرفع سعر الفائدة بمقدار 75 نقطة أساس الشهر المقبل:

“بشكل عام ، لا تزال الأسعار مرتفعة بشكل غير مريح”.

كما قالت أيضا:

“إن القوة في نمو الوظائف والأجور ، تدعم البيانات حالة رفع أسعار الفائدة مرة أخرى في سبتمبر”.

السبب الثاني. عدم الاستماع وفهم بيان وكالة العمل الأمريكية:

إن ارتفاع أسعار الغذاء في الولايات المتحدة الأمريكية الذي صدر عن وكالة العمل بعد ساعات من صدور بيانات التضخم، قد يمثل عاملا مساندا لرفع الفائدة على الدولار بشكل كبير.

حيث قالت وكالة العمل الأمريكية:

“لقد ارتفعت اسعار المواد الغذائية في الولايات المتحدة الأمريكية في يوليو، مما أدى غلى ارتفاع تكاليف المعيشة بشكل مؤلم”.

كما قالت الوكالة:

“إن اسعار المواد الغذائية ارتفعت بنسبة 10.9% عن العام السابق، وهي أعلى نسبة منذ عام 1979”.

بينما أكدت أيضا على أن النسبة وعلى أساس شهري ارتفعت بنسبة 1.14% وهي أكبر نسبة منذ ابريل عام 2020.

وهذا يعني أن المزيد من ضغوط الأسعار ما زالت قائمة بالنسبة لمؤشرات التضخم التي تحتسب اسعار الغذاء.

السبب الثالث. حكم الأسواق المالية جاء مفرطا في التفاؤل ونسيان موعد التضخم القادم:

تفاءلت الأسواق بشكل كبير بتراجع الفيدرالي عن فكرة رفع الفوائد بشكل كبير، وأن التضخم بدأ بالتباطؤ.

إلا أن هناك قراءة أخرى لنفس المؤشر ستكون قبل اجتماع الفيدرالي القادم بأسبوع، وتحديدا في تاريخ 2022/9/13.

وهو التقرير الذي يجب أن يسير وفقا لنفس القراءة الأخيرة للتضخم بشكل ثابت بل وأفضل.

ومع ذلك، فإن معركة بنك الاحتياطي الفيدرالي مع التضخم المرتفع لم تنته بعد.

حيث هناك العديد من المؤشرات التي تجعل المعركة، معركة حامية، وتحتاج المزيد من الفوائد ليفوز الفيدرالي على التضخم.

فالتضخم ما زال أعلى بنسبة 6.5% من النسبة المستهدفة من قبل الفيدرالي والمتمثلة بنسبة 2%.

كما يمكن استجلاب مؤشر بديل لأسعار المستهلك، وهو مؤشر متوسط أسعار المستهلك الذي يجمعه بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند.

حيث أشار هذا المؤشر إلى أن هناك اتساع ضغوط الأسعار في الاقتصاد الأمريكي، وذلك بعدما ارتفع بنسبة 6.3% الشهر الماضي مقارنة بنسبة 6% عن الشهر الذي سبقه.

السبب الرابع. التحديات السياسية والاقتصادية والمناخية:

فيما يتعلق بأداء الأسواق المالية التي ما زالت تتمسك بنتائج الشركات الجيدة خلال الربع الثاني، إلى جانب تخفيض مخاطر رفع الفوائد.

فإنها ما زالت تتجاهل العديد من الأمور، أهمها:

– تكاليف الاقتراض بالنسبة للشركات قوية خلال الربع الثالث، وهو ما سيضغط على نتائج أعمالها.

– أعداد الوظائف ما زالت كبيرة رغم ارتفاع تكاليف الاقتراض والتشغيل واسعار المواد الاساسية، وهو ما يعني أن الشركات اختارت بشكل غير مباشر أن ترحل كافة التكاليف إلى المستهلك على أن تقوم بتحملها وتخفف من عدد الوظائف لديها.

– فصل الشتاء المتطلب للطاقة والمواد الاساسية يقترب شيئا فشيئا، وهو الفصل الذي ترتفع فيه التكاليف بشكل عام.

– المشاكل الاقتصادية والسياسية ما زالت قائمة.

ولن نقوم بتقديم دليل انعكاس وتسطيح منحنى العوائد على السندات الذي يشير بمعناه التقني من اقتراب الاقتصاد بشكل عام نحو ركود متوقع.

كما لن نشير إلى مسألة تصريحات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي السلبية إزاء النمو الاقتصادي العالمي العام الحالي.

بينما لن نشير أيضا إلى مسألة ارتفاع التضخم لدى القارة الأوروبية التي تعد الشريك التجاري الاول للولايات المتحدة وهو ما سيؤثر على صادرات أمريكا بالتالي.

تنويه مهم جدا:

وفي النهاية فإن اسباب تمسك التحليل الأساسي للدولار الأمريكي بمسار الصعود، اعتمد على ما تم تقديمه من بيانات.

على أن كل ما ورد سابقا سيتم نفيه بشكل كبير في حالة أكدت بيانات التضخم القادمة على الهبوط بشكل كبير.

حيث  إن انخفاض التضخم بنسبة مشابهة أو أكبر، سيخفض من قيمة الدولار الأمريكي بشكل كبير.

ولكن وحتى تاريخ إعداد هذه المقالة المفصلة، فإنه لا يوجد دليل كبير على ان معركة التضخم قد انتهت بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية.


تم الاستناد إلى العديد من المقالات والتصريحات أثناء إعداد هذه المقالة، وأهم هذه المقالات:

Morning Bid: Fed doesn’t see enough swallows for summer

Fed officials say more rate hikes needed, despite slowing inflation

مجدي النوري مُدون وصانع محتوى اقتصادي، عمل في مجال الدراسات في إحدى أهم المؤسسات الاقتصادية في فلسطين، وقام بكتابة العديد من المقالات والأبحاث الاقتصادية، لديه العديد من الشهادات والدورات الاقتصادية لدى العديد من الجهات المحلية والدولية