من مستويات قاربت 120 دولاراً للأونصة إلى نحو 49 دولاراً، تمر الفضة بواحدة من أعنف مراحل التصحيح في مسيرتها الأخيرة. وبينما تضغط أسعار الفائدة وتراجع التدفقات الاستثمارية على المعدن، لا تزال مخاوف نقص المعروض والعجز المتراكم حاضرة في الصورة. فهل فقدت الفضة زخمها، أم أنها تمر بمرحلة إعادة توازن قبل تحديد اتجاهها المقبل؟
من الصعود الاستثنائي إلى التصحيح الحاد
شهدت الفضة خلال عام 2025 وبداية 2026 موجة صعود قوية، انتقلت خلالها من نطاق 20–30 دولاراً إلى مستويات تجاوزت 120 دولاراً للأونصة. لكن الارتفاع السريع أعقبه تراجع حاد، مع بدء الأسعار تسجيل قمم وقيعان أدنى، في إشارة إلى تغير واضح في الاتجاه.
وبحسب الرسم الشهري، أغلقت الفضة عند نحو 49.13 دولاراً، متراجعة 18.71% خلال الشهر، بعد تسجيل قاع قرب 48.86 دولاراً. وهذا يعني أن المعدن فقد جزءاً كبيراً من مكاسبه الأخيرة، وأن الضغوط البيعية لم تعد مجرد حركة تصحيح قصيرة.
لكن فهم ما يحدث يتطلب النظر إلى ما هو أبعد من حركة السعر؛ فالعوامل النقدية والاستثمارية، إلى جانب العرض والطلب، تلعب دوراً أساسياً في تحديد مستقبل المعدن.
القراءة الشهرية: التصحيح يختبر الاتجاه طويل الأجل

الرسم الشهري للفضة XAG/USD — TradingView
على الإطار الشهري، لا تزال الفضة أعلى من متوسطها المتحرك لـ100 شهر، الموجود قرب 29 دولاراً، لكن الإغلاق الضعيف الأخير يعكس فقدان الزخم الصاعد. وتبرز منطقة 48.85–49 دولاراً كدعم أولي، يليها 45 دولاراً، ثم نطاق 40–42 دولاراً إذا استمرت الضغوط.
لماذا تهبط الفضة رغم عجز المعروض؟
تبدو المفارقة واضحة: كيف تتراجع أسعار الفضة بينما يعاني السوق من عجز في الإمدادات؟
وفقاً لبيانات مؤسسة Metals Focus، سجل سوق الفضة عجزاً بنحو 40.2 مليون أونصة في 2025، وبلغ العجز التراكمي خلال خمس سنوات نحو 716 مليون أونصة. ومع ذلك، لا يعني العجز السنوي أن المعدن غير متاح؛ إذ يمكن للمخزونات الموجودة وتدفقات المعدن من المستثمرين تلبية الطلب لفترات طويلة.
| 716 مليون أونصة العجز التراكمي المقدر خلال خمس سنوات |
40.2 مليون أونصة عجز سوق الفضة في 2025 |
| 932 مليون أونصة مخزونات خزائن لندن بنهاية سبتمبر 2026 |
267 مليون أونصة الكميات المقدرة المتاحة للتداول في لندن |
مؤشرات مختارة من بيانات العرض والطلب — وفق بيانات Metals Focus.
فقد وصلت مخزونات الفضة في خزائن لندن إلى 932 مليون أونصة بنهاية سبتمبر 2026، بينما قُدرت الكميات المتاحة للتداول، بعد استبعاد المعدن المرتبط بالصناديق الاستثمارية المتداولة، بنحو 267 مليون أونصة. كما تراجعت حيازات تلك الصناديق بنحو 60 مليون أونصة منذ بداية العام، ما أعاد جزءاً من المعدن إلى السوق.
إلى جانب ذلك، أثرت الأسعار المرتفعة في الطلب على المجوهرات وبعض الاستخدامات الصناعية، فيما ساهم ارتفاع الرسوم على واردات الفضة الهندية في تقليص الطلب. وتشير تقديرات Metals Focus إلى احتمال تقلص العجز، مع إمكانية تحول السوق إلى فائض خلال 2027.
الخلاصة هنا أن العجز الهيكلي عامل داعم على المدى الطويل، لكنه لا يمنع هبوط الأسعار عندما تتراجع شهية المستثمرين وتتحسن الإمدادات المتاحة في الأجل القصير.
نسبة الذهب إلى الفضة: إشارة تستحق المتابعة
من الأدوات المهمة لفهم أداء الفضة مقارنة بالذهب ما يُعرف بنسبة الذهب إلى الفضة، وهي عدد أونصات الفضة اللازمة لشراء أونصة واحدة من الذهب.
خلال موجة صعود الفضة في 2025، هبطت النسبة من مستويات قاربت 100 إلى نحو 44، ما عكس تفوق الفضة على الذهب. لكنها عادت للارتفاع خلال 2026، في إشارة إلى استعادة الذهب تفوقه النسبي.

رسم توضيحي لنسبة الذهب إلى الفضة ونموذج المثلث
والأهم فنياً أن الرسم الأسبوعي يُظهر تشكل نموذج مثلث، بحد علوي أفقي قرب 73 وحد سفلي صاعد. وتتحرك النسبة في الرسم المرسل قرب 71.4، أي بالقرب من الحد العلوي للنموذج.
إذا كسرت النسبة الحد السفلي، فقد يشير ذلك إلى عودة تفوق الفضة على الذهب، وربما بداية موجة جديدة من الأداء النسبي القوي.
أما اختراق الحد العلوي فيعزز احتمال استمرار تفوق الذهب. لكن ينبغي التمييز بين الأداء النسبي والأسعار المطلقة؛ فانخفاض النسبة لا يعني بالضرورة ارتفاع الذهب والفضة معاً، بل يعني أن الفضة تؤدي أداءً أفضل مقارنة بالذهب.
القراءة الأسبوعية: مقاومة عند المتوسط المتحرك

الرسم الأسبوعي للفضة XAG/USD — TradingView
أسبوعياً، أغلقت الأسعار دون متوسطها المتحرك لـ100 أسبوع، الموجود قرب 53.19 دولاراً. لذلك تمثل منطقة 53–54 دولاراً مقاومة مهمة، واستعادتها ستكون خطوة أولية لتحسين الصورة الفنية.
القراءة اليومية: الاتجاه الهابط لم ينتهِ بعد

الرسم اليومي للفضة XAG/USD — TradingView
على الإطار اليومي، يظهر الاتجاه الهابط بوضوح من خلال القمم والقيعان المتراجعة، مع تداول السعر دون متوسطه المتحرك. وهذا يعني أن أي ارتداد قصير لا يكفي وحده لإعلان انتهاء التصحيح؛ إذ يحتاج السوق إلى بناء قاع واضح واختراق مستويات مقاومة متتالية.
ثلاثة سيناريوهات للمرحلة المقبلة
يتوقف السيناريو الإيجابي على تماسك الفضة فوق 48.85 دولاراً، ثم استعادة 53–54 دولاراً، بما قد يفتح المجال لتعافٍ تدريجي. أما كسر منطقة 48.85 دولاراً والإغلاق دونها، فقد يدفع الأسعار لاختبار 45 دولاراً، وربما 40–42 دولاراً.
ويبقى السيناريو الثالث هو التحرك العرضي، حيث تستقر الأسعار بين الدعم والمقاومة في انتظار وضوح اتجاه الدولار وأسعار الفائدة والطلب الصناعي والاستثماري.
هل فقدت الفضة بريقها؟
الفضة لا تواجه تحدياً فنياً فحسب، بل اختباراً اقتصادياً أيضاً. فالعجز المتراكم في المعروض يظل عاملاً مهماً، لكن تراجع التدفقات الاستثمارية وتحسن المخزونات قد يؤخران عودة الزخم الصاعد.
حتى الآن، لا تقدم الرسوم تأكيداً على انتهاء الاتجاه الهابط. ومنطقة 49 دولاراً تمثل اختباراً مهماً، فيما تشكل استعادة 53–54 دولاراً خطوة أولى لتحسين المشهد الأسبوعي.
فالفرص قد تولد من رحم الأزمات، لكن الفرصة الحقيقية لا تتشكل بمجرد انخفاض الأسعار؛ بل عندما تبدأ المؤشرات الاقتصادية والفنية في تأكيد أن ميزان السوق يتغير من جديد.