فاجأ بنك إسرائيل الأسواق في الأول من سبتمبر 2026 بخفض سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس، ليصل إلى 3.25%، في قرار جاء خلافًا لمعظم توقعات المحللين. وكانت الأسواق تتوقع بدرجة أكبر الإبقاء على الفائدة عند 3.5%، في ظل ارتفاع الإنفاق الحكومي والعسكري واستمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي.
لكن قرار خفض الفائدة لم يكن معزولًا عن التطورات الاقتصادية الأخيرة. فقد تراجع التضخم إلى مستويات منخفضة، بينما أصبح ارتفاع قيمة الشيكل مصدر قلق متزايد للاقتصاد، خصوصًا لقطاعات التصدير والتصنيع.
ويُعد هذا الخفض الثالث على التوالي منذ مايو 2026، والخامس منذ بدء دورة التيسير النقدي في أواخر عام 2025، لتصل أسعار الفائدة إلى أدنى مستوياتها منذ نحو أربعة أعوام.
لماذا خفّض بنك إسرائيل سعر الفائدة؟
يمكن فهم قرار بنك إسرائيل من خلال ثلاثة عوامل رئيسية: تراجع التضخم، قوة الشيكل، والحاجة إلى دعم النشاط الاقتصادي.
التضخم يمنح البنك المركزي مساحة لخفض الفائدة
كان تراجع التضخم العامل الأبرز الذي سمح لبنك إسرائيل بالمضي قدمًا في خفض أسعار الفائدة.
فقد انخفض التضخم السنوي في يوليو 2026 إلى 1.5%، وهو أدنى مستوى منذ مايو 2021، ليصبح قريبًا من الحد الأدنى لنطاق التضخم المستهدف من البنك المركزي، والبالغ بين 1% و3%.
كما استقر التضخم الأساسي، بعد استبعاد الطاقة والغذاء، عند 1.5% في يوليو.
وتمنح هذه المستويات بنك إسرائيل مساحة أكبر لتخفيف السياسة النقدية، خصوصًا إذا استمر التضخم في البقاء تحت السيطرة خلال الفترة المقبلة.
قوة الشيكل أصبحت مصدر قلق!
في الوقت الذي تراجعت فيه الضغوط التضخمية، واجه الاقتصاد الإسرائيلي مشكلة أخرى تتمثل في قوة الشيكل.
فارتفاع قيمة العملة المحلية يساعد على الحد من تكلفة السلع المستوردة، لكنه في المقابل يضغط على الشركات التي تعتمد على التصدير، لأن منتجاتها تصبح أكثر تكلفة في الأسواق العالمية.
ولهذا يرى بعض المحللين أن خفض أسعار الفائدة قد يساعد على تقليص جاذبية الشيكل أمام المستثمرين الأجانب من خلال تقليل فجوة العائد، وبالتالي تخفيف بعض الضغوط الصعودية على العملة.
ويأتي ذلك في وقت ارتفعت فيه أسعار الوقود والطاقة، وهي ضغوط يمكن للاقتصاد استيعابها جزئيًا مع استمرار قوة الشيكل.
خفض الفائدة في مواجهة السياسة المالية!
لا يمكن فصل قرار بنك إسرائيل عن العلاقة المتوترة بين السياسة النقدية والسياسة المالية.
فقد تعرض محافظ بنك إسرائيل أمير يارون لضغوط من وزير المالية بتسلئيل سموتريتش من أجل تسريع خفض أسعار الفائدة، بهدف دعم الأسر والشركات التي تضررت من الحرب.
وفي المقابل، حذّر البنك المركزي من الجمع بين إجراءات مالية ونقدية توسعية في الوقت نفسه، خصوصًا إذا كانت الضغوط التضخمية لا تزال قائمة.
ويعكس هذا الخلاف مشكلة أوسع: الحكومة تريد دعم الاقتصاد من خلال الإنفاق والسياسات المالية، بينما يحاول البنك المركزي تحقيق التوازن بين دعم النمو والحفاظ على استقرار الأسعار.
كيف ينظر قطاع الأعمال إلى قرار خفض الفائدة؟
جاءت ردود فعل قطاع الأعمال متباينة.
فقد اعتبر رئيس جمعية المصنعين، أبراهام نوفوغروتسكي، أن خفض الفائدة خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنه رأى أنها جاءت متأخرة وبوتيرة بطيئة، خصوصًا في ظل الضغوط التي تواجه المصدرين بسبب قوة الشيكل.
في المقابل، اعتبر روعي كوهين، رئيس الاتحاد العام للمصالح التجارية الصغيرة والمستقلين، أن الخفض كان محدودًا، مشيرًا إلى أن الشركات الصغيرة كانت تحتاج إلى خفض أكبر لدعمها في مواجهة الصعوبات الاقتصادية.
أما رئيس هيئة رئاسة قطاع الأعمال، دوبي أميتاي، فرأى أن القرار يمثل خطوة متوازنة ومسؤولة، ويمكن أن يعزز الثقة في متانة الأساسيات الاقتصادية لإسرائيل.
هل سيواصل بنك إسرائيل خفض الفائدة؟
رغم خفض الفائدة إلى 3.25%، فإن المسار المقبل للسياسة النقدية لا يبدو محسومًا.
وتزداد حساسية القرار المقبل بسبب موعد اجتماع اللجنة النقدية في 21 أكتوبر 2026، أي قبل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر.
ويرى محللون، من بينهم محللون في بنك ديسكونت، أن بنك إسرائيل قد يتجنب إجراء خفض جديد خلال اجتماع أكتوبر، لتجنب إعطاء القرار أي تفسير سياسي أو التأثير بشكل غير مباشر على التوجهات الانتخابية.
وهذا يعني أن خفض سبتمبر قد يكون خطوة محسوبة لاستغلال مساحة التيسير التي وفّرها انخفاض التضخم، قبل الدخول في فترة أكثر حساسية على المستوى السياسي.
ما تأثير خفض الفائدة على الاقتصاد والشيكل؟
يهدف خفض أسعار الفائدة إلى تقديم دعم للنشاط الاقتصادي من خلال تخفيض تكلفة الاقتراض على الأسر والشركات.
كما يمكن أن يساعد القرار على تخفيف قوة الشيكل، وهو أمر مهم بالنسبة إلى قطاعات التصدير والتصنيع والتكنولوجيا التي تتأثر بشكل مباشر بتحركات العملة.
لكن في المقابل، فإن استمرار التيسير النقدي قد يصبح أكثر صعوبة إذا عادت الضغوط التضخمية أو ارتفعت المخاطر الجيوسياسية والمالية.
التحدي الأكبر أمام السياسة النقدية
يواجه بنك إسرائيل معادلة صعبة خلال الفترة المقبلة.
فالحكومة تحتاج إلى تمويل احتياجات دفاعية كبيرة، في حين يتعين عليها الحفاظ على استدامة الدين العام، والاستمرار في تمويل البنية التحتية والمشاريع التنموية الضرورية للنمو.
ويضع ذلك السياسة النقدية أمام ما يمكن وصفه بـ “المعضلة المالية الثلاثية”: تحقيق الانضباط المالي، وتلبية الاحتياجات الدفاعية، والحفاظ على الإنفاق الاستثماري الضروري للنمو.
الخلاصة
يبدو أن قرار بنك إسرائيل خفض سعر الفائدة إلى 3.25% جاء نتيجة توفر مساحة نقدية سمح بها تراجع التضخم إلى 1.5%، إلى جانب الحاجة إلى تخفيف الضغوط الناتجة عن قوة الشيكل ودعم النشاط الاقتصادي.
لكن استمرار دورة خفض الفائدة لن يكون سهلًا. فالبنك المركزي يواجه في الوقت نفسه مخاطر مالية وجيوسياسية، وضغوطًا من الحكومة وقطاع الأعمال، إضافة إلى حساسية القرارات النقدية مع اقتراب الانتخابات.
لذلك، فإن السؤال الأهم بالنسبة إلى الأسواق لم يعد فقط لماذا خفّض بنك إسرائيل الفائدة؟، وإنما إلى أي مدى يستطيع البنك مواصلة التيسير النقدي دون أن يعيد إشعال التضخم أو يزيد الضغوط المالية؟
مجدي النوري
محلل أسواق مالية ومختص في التحليل الاقتصادي والمالي، يتمتع بخبرة تمتد لأكثر من 16 عامًا في مجال تحليل الأسواق، مع تركيز خاص على التحليل الأساسي للاقتصاد والأسواق المالية، وقد عمل مع جهات رقابية حكومية ومؤسسات مصرفية ووسائل إعلام عالمية في إعداد المحتوى والتحليل الاقتصادي.