سبب فشل الإغلاق في مواجهة كورونا

تتعالى الأصوات ويسيل حبر الأقلام لمحاولة تفسير أسباب فشل الإغلاق في مواجهة كورونا منذ فرضه بداية التفشي.

وهنا فإنني سأحاول مناقشة أسباب هذا الفشل، بعيدا عن الدخول في تُراهات مناقشة الفايروس نفسه بصفته أكذوبة أو حقيقة.

فأمر تصديق وجود الفايروس أو جدوى أخذ اللقاح أمر متروك لك؛

فإما أن تُصاب بالفايروس وتنتظر نصيبك منه، فإما خروجاً بأقل الخسائر أو التعرض لما هو أخطر.

وإما أن تأخذ اللقاح أو أن تجرب جهاز مناعتك.

وتذكر تماما أن جهاز مناعتك تم إنهاكه بالمواد المُصنعة والمعدلة كيميائيا إلى جانب التدخين وغيرها من الأمور الضارة والتي اعتدنا عليها منذ عقود.

والآن دعونا نبدأ محاولة التفسير منذ بداية القصة!


حينما تفشى فايروس كورونا بداية العام الحالي وتحديدا في الصين، قام الجيش الصيني بفرض الإغلاق الكامل والكلي على منطقة ووهان (عاصمة هوبي).

ثم لتعلن منظمة الصحة العالمية في وقت متأخر من هذا التفشي بأن العالم أمام جائحة خطيرة.

ثم لتبدأ القصة التراجيدية بالانفجار، فإصابات في إيطاليا وأرتالٌ من المركبات محملةً بجثث الموتى.

لتنتقل الأنظارُ إلى اسبانيا، ثم إلى فرنسا بسرعة، ثم إلى مناطق مختلفة من القارة الأوروبية.

ولننتقل مباشرةً إلى الإصابات في الولايات المتحدة الأمريكية، والتي سجلت وتسجل الأرقام الأعلى عالميا.

ولم تسلم المنطقة العربية أيضا من هذا الفايروس اللعين فسجلت بدورها إصابات وآلاف من الوفيات بدورها.

وإذا أردنا أن نتكلم عن الإجراءات التي تم اتخاذها إزاء هذا الفايروس اللعين الغامض، فإننا نتحدث عن الأمور التالية تحديدا:

  • تطبيق الإجراءات الصحية الصارمة ونشر الوعي الصحي.

  • فرض الإغلاقات العامة وتعطيل مظاهر الحياة الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية وغيرها.

  • تقديم برامج التحفيز المالية بأرقام تاريخية دفعت الدول إلى تقديم تريليونات الدولارات دون جدوى.

إلا أنَّ أيّاَ مما ذُكر أعلاه، لم يُجدي نفعا، لا على صعيد الدول النامية أو حتى على صعيد أرقاها وأكثرها تقدما.

وحتى لا أُطيل بشكل أكبر، فإنني سأحاول الإجابة عن سبب فشل الإغلاق في مواجهة كورونا من خلال المحاور التالية:

المحور الأول. شكلُ وعقلانية الإغلاق العام أو الشامل

سواء اتفقتَ معي أم لم تتفق، فإن الصين كانت أول من قام بفرض الإغلاق الشامل بشكله الصارم والجبري.

وإنني حينما قمت بالربط بين فرض الصين لهذا الإغلاق وانخفاض الإصابات، ووجهت باعتراضات شخصية غريبة.

وكأن منطقة ووهان لم تحتفل بأكبر حفل موسيقي جماعي بداية شهر أكتوبر الماضي كدليل على انخفاض الأعداد وليس انتهاء الفايروس.

أما عن مسألة الصرامة في سلوكيات النظام الصيني، فهي صفة ملازمة له، ولك مثال صارخ على ذلك.

حيث قامت الحكومة الصينية بإيقاف أكبر اكتتاب بالتاريخ وصل إلى 37 مليار دولار أمريكي يخص شركة “آنت جروب” الذراع المالي لشركة علي بابا، ليس لأمر سوى أن المالك لشركة علي بابا انتقد إجراءات الحكومة الصينية في اجتماع علني -بحسب بعض الأخبار الموثوقة”.

إذن فالإغلاق الصارم مع جموع الجماهير هو صفة لابد من أن تتوفر في أية إغلاق خاصة في ظل اختلاف الثقافات والمستويات التعليمية والخلفيات الاجتماعية المختلفة للشعوب.

إلا أن اقتصار الإغلاق على صفة الصرامة لن يجعله سياسة ناجحة في التصدي للفايروس بدون المحاور الثاني.

المحور الثاني. الأداء الحكومي على الصعيد الاقتصادي

لقد أثبت الفايروس الحالي مدى حب الإنسان للمال بشكل يضاهي حبه للحياة، خاصة إذا تعلق الأمر بعدم تعرضه المباشر للفايروس.

وهو أمرٌ منطقيّ، فعدم التعرض للفايروس لن يجعل الشخص مقتنعا بجدوى الإغلاق، خاصة وأن أحداً لا يعوضه عن ثمن فاتورة الإغلاق وتبعاته.

وإن كنتَ تظنُ بأن الدول العربية هي من تعاني، فيبدو أنك لا بد من إعادة حساباتك؛

فالمحامي والصُحُفي ورجل الأعمال الأمريكي جيم كريمر اتهم الولايات المتحدة بأنها قدمت تريليوناتها للشركات ورمت الفُتات للمتضررين في الولايات المنكوبة.

فيما ذرفت المستشارة الألمانية أنجيلا ميريكل الدموع واعتذرت من جموع الشعب الالماني عن عدم جدوى الإجراءات.

وهذه الدموع التي ذرفتها ميريكل لم تكن بدون إجراءات تحفيزية ودعم حكومي اقتصادي على الرغم من تجنبها للاغلاق في البداية.

أما في الوطن العربي، فإن المواطن كان الضحية الكُبرى والشخص الذي دفع ويدفع ثمن فاتورة الإغلاق، بعد الاعتراف بالأمور التالية:

  • لم تقم الحكومات بتعويض المؤسسات والأفراد عن فاتورة الإغلاق المفروض.

  • بل إنه لم يتم التساهل في تكلفة الخدمات المقدمة للأفراد والمؤسسات، وهو ما زاد من حدة الإغلاق.

  • لم تقم الحكومات بإدارة الازمات بالشكل الصحيح أثناء الإغلاق.

أو بتعبير آخر لم يكن هناك إدارة حكيمة للإغلاق ليكون إغلاقا صارما وعادلا ومفهوما من قبل الجميع.

  • أغلب المشاريع في الوطن العربي هي مشاريع صغيرة ومتوسطة، وقد وجدت نفسها أمام نفق مظلم لن يساعدها على دفع تكاليف إنشائها حتى، الأمر الذي دفعها للخروج على استحياء.

  • تنتمي الشريحة الأوسع من المواطنين إلى الطبقة الفقيرة، بعد القضاء التدريجي على الطبقة المتوسطة.

وجزء كبير من هذه الشريحة الواسعة كانت ممن يعتاش على أجرته اليومية، والتي بُترت بسهولة مع الإغلاق وتدافع أرباب العمل لإنهاء أعمالهم بدعوى التوقف.

  • الشريحة الصغيرة والتي تنتمي إلى الطبقة الغنية، إلى جانب البعض ممن ينتمون إلى شرائح أخرى، أساءت في تصرفاتها وإنفاقها أثناء الإغلاق إلى عموم الشعب.

وكأن حال الشعب قاطبة بأننا نبكي الإغلاق وضيق الحال، ولكننا قادرون على الإنفاق بشكل غير عقلاني، وهو ما دفع إلى التخبط في الكثير من الأمور والقراءات.

هذه نبذة يسيرة قدمتها عبر محورين؛ أشرت في أحدهما عن شكل الإغلاق وصفاته، والآخر عن أداء الحكومة وتصرفات الشعوب (الأداء والنتيجة).

وأشير إلى أن هناك محاور أخرى سأترك لكم المجال لطرحها بشكل عقلاني وبالأدلة.

مجدي النوري مُدون وصانع محتوى اقتصادي، عمل في مجال الدراسات في إحدى أهم المؤسسات الاقتصادية في فلسطين، وقام بكتابة العديد من المقالات والأبحاث الاقتصادية، لديه العديد من الشهادات والدورات الاقتصادية لدى العديد من الجهات المحلية والدولية