الدولار مقابل الشيكل أمام منعطف جديد.. هل بدأت ملامح الصعود تتشكل؟

توقعات الدولار مقابل الشيكل: عوامل جديدة قد تغير اتجاه السوق

في مقال سابق نُشر بتاريخ 24 من الشهر الماضي، أشرنا إلى أن خفض أسعار الفائدة في إسرائيل لن يكون كافيًا بمفرده لإضعاف الشيكل بشكل ملموس، وأن تحركات الدولار مقابل الشيكل ستظل مرتبطة بعدة عوامل رئيسية، أبرزها تطورات الحرب في المنطقة، إضافة إلى احتمالية تدخل بنك إسرائيل للحد من قوة الشيكل المفرطة.

واليوم، ومع ظهور مستجدات اقتصادية ونقدية جديدة، تبدو الصورة مختلفة نسبيًا، حيث بدأت تتشكل مجموعة من العوامل التي قد تدعم الدولار أمام الشيكل خلال الفترة المقبلة، وتدفع الزوج نحو مرحلة جديدة من التحركات.

أولاً: بنك إسرائيل يبعث برسائل واضحة للأسواق

في 28 من الشهر الماضي، قرر بنك إسرائيل خفض أسعار الفائدة بمقدار 0.25 نقطة مئوية. ورغم أن الأسواق كانت تتوقع أن يؤدي القرار إلى إضعاف الشيكل، إلا أن العملة الإسرائيلية واصلت قوتها ووصلت إلى مستويات تاريخية قرب 2.8 شيكل للدولار.

لكن الأهم من القرار نفسه كان الرسائل التي حملها البنك المركزي. ففي الوقت الذي تواصل فيه العديد من البنوك المركزية الكبرى الإبقاء على سياسات نقدية متشددة بسبب مخاطر التضخم، اختار بنك إسرائيل السير في الاتجاه المعاكس عبر بدء دورة تخفيض الفائدة.

وقد استند القرار إلى تراجع معدل التضخم السنوي في إسرائيل إلى 1.9%، وهو ضمن النطاق المستهدف للبنك المركزي بين 1% و3%. إلا أن محافظ البنك، البروفيسور أمير يارون، أشار مؤخرًا إلى إمكانية إجراء المزيد من التخفيضات خلال الفترة المقبلة.

هذه التصريحات تعكس استعدادًا واضحًا من البنك المركزي للتعامل مع قوة الشيكل، التي أصبحت تشكل ضغطًا على قطاعات التصدير والصناعة والعقارات، وتحد من القدرة التنافسية للاقتصاد الإسرائيلي في الأسواق العالمية.

ثانياً: اتساع الفجوة المحتملة بين الفائدة الأمريكية والإسرائيلية

لا تزال الأسواق العالمية تواجه مخاطر تضخمية متزايدة نتيجة استمرار التوترات الجيوسياسية، وارتفاع أسعار الطاقة، واضطرابات سلاسل الإمداد العالمية.

وفي حال استمرت هذه الضغوط، فقد تضطر البنوك المركزية الكبرى إلى الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول، أو حتى دراسة رفعها مجددًا خلال النصف الثاني من العام.

حاليًا تبلغ الفائدة على الشيكل نحو 3.75%، وهي قريبة من مستويات الفائدة الأمريكية، إلا أن أي تخفيضات إضافية من جانب بنك إسرائيل ستؤدي إلى اتساع الفجوة لصالح الدولار.

وإذا تم تنفيذ تخفيضين إضافيين كما تتوقع بعض التقديرات، فقد تصل الفجوة إلى نحو نصف نقطة مئوية، وهو عامل تاريخيًا يصب في مصلحة الدولار مقابل الشيكل.

ثالثاً: مخاطر الذكاء الاصطناعي وتأثيرها على الشيكل

شهدت السنوات الأخيرة علاقة إيجابية قوية بين أداء قطاع التكنولوجيا الأمريكي وقوة الشيكل، حيث استفاد الاقتصاد الإسرائيلي من الارتباط الوثيق بشركات التكنولوجيا والابتكار.

وكان الأداء القوي لمؤشر ناسداك، المدفوع بطفرة الذكاء الاصطناعي، أحد أبرز العوامل الداعمة للشيكل خلال الفترة الماضية.

لكن في حال تصاعد المخاوف بشأن تقييمات شركات الذكاء الاصطناعي أو تعرض القطاع لتصحيح حاد، فقد ينعكس ذلك سلبًا على ناسداك، وبالتالي على الشيكل.

كما أن استمرار الضغوط التضخمية في الولايات المتحدة قد يدعم الدولار من جهة، ويضغط على أسهم التكنولوجيا من جهة أخرى، ما يمنح الدولار دعمًا مزدوجًا أمام الشيكل.

رابعاً: هل يدعم كأس العالم الدولار الأمريكي؟

تنطلق بطولة كأس العالم خلال الشهر الجاري وسط توقعات بتدفقات سياحية كبيرة إلى الولايات المتحدة، الأمر الذي قد يعزز الإنفاق الاستهلاكي ويرفع مستويات الطلب داخل الاقتصاد الأمريكي.

وفي حال انعكس ذلك على معدلات التضخم، فقد يساهم في دعم التوقعات باستمرار السياسة النقدية المتشددة، وهو ما يصب في صالح الدولار أمام العملات الرئيسية، بما فيها الشيكل.

ماذا لو انتهت الحرب؟

يبقى انتهاء الحرب أحد أهم المتغيرات القادرة على تغيير المشهد بالكامل.

ففي هذا السيناريو، من المتوقع أن تتحسن شهية المستثمرين للمخاطرة، وأن تشهد أسواق الأسهم والمعادن الثمينة انتعاشًا ملحوظًا، في حين قد يتعرض الدولار لبعض الضغوط.

كما يمكن أن يستعيد الشيكل جزءًا من قوته مدعومًا بتحسن المعنويات الاقتصادية والاستثمارية.

ومع ذلك، فإن تصريحات بنك إسرائيل الأخيرة تشير إلى أن السلطات النقدية قد لا تكون مرتاحة لعودة الشيكل إلى مستويات القوة القياسية السابقة، خاصة أن الاقتصاد الإسرائيلي سيحتاج إلى عملة أكثر ضعفًا نسبيًا لدعم الصادرات والاستثمارات وتعزيز جهود إعادة الإعمار بعد الحرب.

لذلك، حتى في حال انتهاء الحرب، تبقى احتمالات العودة إلى مستويات 2.8 شيكل للدولار محدودة، خصوصًا إذا استمرت تدخلات البنك المركزي أو توسعت دورة خفض الفائدة.

الخلاصة

تتزايد المؤشرات التي تدعم احتمالية تحسن الدولار أمام الشيكل خلال الفترة المقبلة، مدفوعة بأربعة عوامل رئيسية: توجه بنك إسرائيل نحو المزيد من خفض الفائدة، واتساع الفجوة المحتملة مع الفائدة الأمريكية، ومخاطر تصحيح قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، إضافة إلى العوامل التضخمية المرتبطة بالنشاط الاقتصادي في الولايات المتحدة.

ورغم أن انتهاء الحرب قد يمنح الشيكل بعض الدعم المؤقت، فإن السياسة النقدية الإسرائيلية والاحتياجات الاقتصادية طويلة الأجل قد تحد من عودة العملة الإسرائيلية إلى مستويات القوة القياسية التي سجلتها سابقًا.

مجدي النوري محلل أسواق مالية ومختص في التحليل الاقتصادي والمالي، يتمتع بخبرة تمتد لأكثر من 16 عامًا في مجال تحليل الأسواق، مع تركيز خاص على التحليل الأساسي للاقتصاد والأسواق المالية، وقد عمل مع جهات رقابية حكومية ومؤسسات مصرفية ووسائل إعلام عالمية في إعداد المحتوى والتحليل الاقتصادي.  

اترك تعليقاً