لا يزال المشهد التحليلي لزوج الدولار مقابل الشيكل الإسرائيلي (USD/ILS) يسير وفق سيناريو القوة الدولارية حتى اللحظة، دون أن تظهر في الأفق إشارات فنية أو أساسية كافية لعكس هذا الاتجاه. غير أن ثمة عوامل محددة وقابلة للقياس قد تغيّر هذه المعادلة بشكل جذري إذا تحققت، منفردةً أو مجتمعة.
أولاً: نتائج أرباح شركات التكنولوجيا — الشيكل المرتبط بناسداك
الارتباط البنيوي بين ناسداك والشيكل
يُعدّ الشيكل الإسرائيلي من العملات النادرة عالمياً التي تُظهر ارتباطاً طردياً واضحاً بمؤشر ناسداك التكنولوجي. ولا يقتصر هذا الارتباط على المصادفة، بل يعكس بنية اقتصادية عميقة:
تُمثّل التكنولوجيا نحو 20% من الناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي، وتستأثر بأكثر من 50% من صادرات البلاد. وبحسب بيانات مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي، يعمل في هذا القطاع نحو 12% من إجمالي القوى العاملة.
آلية التأثير
حين تتجاوز أرباح عمالقة التكنولوجيا الأمريكية — كـ Nvidia وAlphabet وMeta وMicrosoft وAmazon — توقعات المحللين، تنعكس هذه النتائج على الشيكل عبر ثلاثة مسارات متوازية:
المسار الأول — تدفقات رأس المال المؤسسي:
يُعيد صناديق التقاعد والمؤسسات المالية الإسرائيلية تحوّطها ضد مخاطر العملة حين ترتفع محافظها الأمريكية، مما يرفع الطلب الصافي على الشيكل.
الثاني — إعادة الأرباح:
يحوّل الموظفون في الشركات التكنولوجية الإسرائيلية العاملة في السوق الأمريكية جزءاً من أرباحهم وخيارات أسهمهم إلى شيكل، مولّدين طلباً حقيقياً على العملة المحلية.
المسار الثالث — الاستثمار الأجنبي المباشر:
تُحفّز النتائج القوية موجات استحواذ أجنبي على شركات تكنولوجيا إسرائيلية — وقد بلغت صفقة استحواذ Google على Wiz وحدها 32 مليار دولار خلال 2025 — وهذه الصفقات تجلب دولارات تُحوَّل فوراً إلى شيكلات.
ثانياً: التسوية الأمريكية الإيرانية — سيناريو مزدوج التأثير
السياق الجيوسياسي
تُلقي حالة التوتر القائمة بين الولايات المتحدة وإيران بظلالها على أسواق الطاقة والمزاج الاستثماري الإقليمي والعالمي منذ مطلع العام. وقد ساهمت المخاوف المرتبطة باحتمالية اضطراب إمدادات النفط والغاز عبر مضيق هرمز في إبقاء علاوة المخاطرة مرتفعة وتضخيم القيمة النسبية للدولار بوصفه ملاذاً آمناً.
التأثير المزدوج لأي تسوية
إذا تحققت أي تسوية جيوسياسية — سواء أخذت شكل اتفاق نووي أو وقف إطلاق نار موسّع أو تهدئة دبلوماسية — فإن تأثيرها على معادلة الدولار/الشيكل سيكون مزدوجاً ومتعاضداً:
التأثير الأول — كبح توقعات رفع الفائدة الأمريكية:
يُمثّل انخفاض أسعار الطاقة الناجم عن إعادة فتح مضيق هرمز وتراجع علاوة المخاطرة الجيوسياسية ضغطاً انكماشياً مباشراً على مؤشرات التضخم الأمريكية. وبحسب نماذج الاحتياطي الفيدرالي، فإن كل انخفاض بنسبة 10% في أسعار النفط يُخفّض مؤشر PCE — المقياس المفضّل للفيدرالي — بنحو 0.15 إلى 0.20 نقطة مئوية. وإذا تراجعت ضغوط التضخم، تتقلّص الحاجة إلى مزيد من تشديد السياسة النقدية، مما يُضعف الدولار.
التأثير الثاني — تعزيز قوة الشيكل عبر شهية المخاطرة:
في بيئة تراجع المخاطر الجيوسياسية، يرتفع الإقبال على الأصول عالية المخاطرة، ومن أبرزها أسهم التكنولوجيا. ارتفاع ناسداك بدوره يُعزز الشيكل عبر الآليات الثلاث الموضّحة سابقاً. الأمر الذي يعني أن أثر التسوية يُضاعف نفسه: فهو يُضعف الدولار من الجهة النقدية، ويُقوّي الشيكل من الجهة التكنولوجية في آنٍ واحد.
ماذا لو اجتمع السيناريوان؟
إذا تزامنت نتائج تكنولوجية قوية مع تسوية جيوسياسية مفاجئة — وهو السيناريو الأشد وطأة على الدولار أمام الشيكل — فإن الضغط على الزوج سيكون استثنائياً. إذ تتضافر آنذاك أربعة عوامل في اتجاه واحد: تراجع علاوة الأمان الدولاري، وانخفاض توقعات رفع الفائدة، وارتفاع ناسداك، وتدفق رأس المال نحو الأصول الإسرائيلية. ومجموع هذه العوامل قد يدفع USD/ILS نحو مستويات تفوق ما يُوحي به أي عامل منفرد.
ثالثاً: اجتماع بنك إسرائيل — 21 أكتوبر والمسار المتوقع
التوقعات وحالة السياسة النقدية
يعقد بنك إسرائيل اجتماعه القادم للسياسة النقدية يوم الاثنين الموافق 21 أكتوبر 2026، في ظل توقعات سوقية متصاعدة بخفض الفائدة إلى 3%، بعد أن أجرى البنك مسلسلاً من التخفيضات بدأ منذ الربع الأول من العام.
يستند هذا التوجه إلى معطيات اقتصادية داعمة:
المؤشر
|
القراءة الأخيرة
|
دلالته
|
التضخم الإسرائيلي
|
1.6%
|
ضمن النطاق المستهدف (1%–3%)
|
نمو الناتج المحلي
|
أدنى من المتوقع
|
يستدعي دعماً نقدياً
|
سعر الفائدة الحالي
|
3.25%
|
هامش خفض لا يزال متاحاً
|
التأثير على الدولار مقابل الشيكل
خفض الفائدة من شأنه تضييق الفارق بين العائد على الشيكل والعائد على الدولار الأمريكي (حالياً عند 3.75%–4%). هذا التضييق يُقلّص جاذبية حيازة الشيكل بالنسبة للمستثمر الدولي، ويُضيف دعماً للدولار في مواجهة الضغوط المحتملة من العاملَين السابقَين.
بعبارة أخرى، قرار الفائدة الإسرائيلية قد يُخفف من حدة أي ضعف دولاري ناجم عن التطورات الجيوسياسية والتكنولوجية، مما يجعل توقيت الاجتماع ومضمون تصريحات المحافظ محوراً أساسياً يجب مراقبته عن كثب.
خلاصة السيناريوهات
السيناريو
|
الأثر على زوج الدولار شيكل
|
الاحتمالية
|
نتائج تكنولوجية قوية فقط
|
ضغط معتدل على الدولار
|
مرتفعة
|
تسوية جيوسياسية فقط
|
ضغط متوسط على الدولار
|
متوسطة
|
الاثنان معاً
|
ضغط حاد على الدولار
|
منخفضة لكن مؤثرة جداً
|
خفض فائدة إسرائيلي دون تغيير الأول والثاني
|
دعم للدولار يُعوّض
|
مرتفعة
|
يبقى سيناريو القوة الدولارية هو المسار الرئيسي حتى إشعار آخر. لكن المتداول الواعي يضع في حسبانه أن الأسواق لا تتحرك بخط مستقيم، وأن اجتماع 21 أكتوبر قادم بغض النظر عن أي تطور جيوسياسي. والمزيج المحتمل من هذه العوامل الثلاثة كفيل بأن يجعل الأسابيع المقبلة من أكثر الفترات إثارةً لزوج الدولار مقابل الشيكل خلال الربع الأخير من 2026.
مجدي النوري
محلل أسواق مالية ومختص في التحليل الاقتصادي والمالي، يتمتع بخبرة تمتد لأكثر من 16 عامًا في مجال تحليل الأسواق، مع تركيز خاص على التحليل الأساسي للاقتصاد والأسواق المالية، وقد عمل مع جهات رقابية حكومية ومؤسسات مصرفية ووسائل إعلام عالمية في إعداد المحتوى والتحليل الاقتصادي.