الدولار أمام الشيكل: لماذا تحمل ناسداك مفتاح الاتجاه؟
عندما تهتز أسواق وول ستريت، لا يبقى اثر هذه الهزة في أروقة نيويورك، وهذا ما حدث تحديدًا في سعر صرف الدولار أمام الشيكل، حينما ارتفع الدولار إلى اعلى مستوياته منذ نحو سبعة اشهر، بالتزامن مع أعنف موجة بيع تضرب ناسداك منذ عام ونصف.
ولا يعد هذا التزامن صدفة، فالشيكل بات من أكثر العملات حساسية لأداء أسهم التكنولوجيا الأمريكية، لسببت يتعلق بطريقة إدارة مدخرات التقاعد في إسرائيل.
حيث تكمن العلاقة فإنه ما دام ناسداك يتراجع، فإن الطريق يبقى مفتوحًا أمام مزيد من قوة الدولار مقابل الشيكل، لكن ناسداك لا يعد العامل الوحيد.
فهناك عامل الظروف السياسية الضاغطة لدى إسرائيل والتي تزامنت هذه المرة مع تراجع ناسداك، وذلك بعدما انتهت الانتخابات الإسرائيلية دون نتيجة واضحة للفائز برئاسة مجلس الوزراء.
ماذا حدث في وول ستريت؟
يوم الخميس 5 نوفمبر، هبط ناسداك 5.5% في جلسة واحدة ودخل منطقة التصحيح، أي أكثر من 10% دون قمته. وتراجع إس آند بي 500 بنسبة 4.4%، في أسوأ أيامه منذ أبريل 2025.
وقد تمثّل السبب الرئيسي في حدوث هذا الأمر في فوز الديمقراطيين في الانتخابات النصفية، والذي أثار مخاوف من تشديد القيود على مراكز البيانات، ما قد يبطئ طفرة الذكاء الاصطناعي، وهو ما أدى إلى انهيار أسهم الرقائق بأكثر من 12%، وذلك قبل أن يحصل ارتداد جزئي، حيث صعد ناسداك بنحو 1.1%، وهو لا يعني أبدأ أن العاصفة انتهت.
كيف يرتبط الشيكل بناسداك؟
صناديق التقاعد وشركات التأمين الإسرائيلية تستثمر جزءاً كبيراً من أموالها في الأسهم الأمريكية، وخاصة شركات التكنولوجيا. وهذه الصناديق تلتزم بنسبة ثابتة من التعرض للدولار، وتتحوّط من الباقي.
إليك المثال المبسّط:
حين يصعد ناسداك: ترتفع قيمة محافظها بالدولار، فيتجاوز تعرضها للعملة الأمريكية النسبة المحددة. فتبيع دولارات وتشتري شيكلات لإعادة التوازن، فيقوى الشيكل.
حين يهبط ناسداك: يحدث العكس تماماً. تنخفض قيمة المحافظ، فتشتري الصناديق دولارات لتعديل تحوطها، فيضعف الشيكل.
والأهم أن العلاقة غير متماثلة. وفق تقديرات خبير الاستراتيجيات في بنك ديسكونت، فإن حساسية الشيكل لهبوط ناسداك تقارب ضعف حساسيته لصعوده. بمعنى آخر: الشيكل يتألم من الهبوط أكثر مما يستفيد من الصعود.
ماذا حدث للشيكل هذا الأسبوع؟
الأرقام تؤكد العلاقة. في نهاية أكتوبر كان الدولار يتداول قرب 3.12 شيكل. يوم الأربعاء 4 نوفمبر بلغ 3.17، وهو أعلى مستوى منذ مارس. ومع انهيار ناسداك يوم الخميس، لامس نحو 3.20 إلى 3.22 شيكل.
ويوم الجمعة، مع ارتداد ناسداك، تراجع الدولار قليلاً إلى نحو 3.19. وهذا بالضبط ما تتوقعه العلاقة: صعود الأسهم الأمريكية يمنح الشيكل متنفساً فورياً.
واللافت أن الدولار كان يتراجع عالمياً في الفترة نفسها، ما يعني أن ضعف الشيكل نابع من عوامل خاصة به، لا من قوة الدولار بشكل كامل.
لماذا قد يواصل الدولار صعوده؟
-
ضغوط ناسداك لم تنتهِ. الاقتصاد الأمريكي أضاف 165 ألف وظيفة في أكتوبر، أي نحو ثلاثة أضعاف التوقعات. الخبر جيد للاقتصاد، لكنه رفع احتمالات أن يرفع الفيدرالي الفائدة في ديسمبر إلى نحو 78%. وارتفاع الفائدة يضغط عادة على أسهم التكنولوجيا تحديداً.
-
القيود على الذكاء الاصطناعي ما زالت مجرد مخاوف. أي قرار فعلي من الكونغرس أو الولايات قد يطلق موجة بيع جديدة في ناسداك، ومعها موجة شراء للدولار في تل أبيب.
-
فارق الفائدة لصالح الدولار. بنك إسرائيل خفّض فائدته إلى 3.25%، بينما تقف الفائدة الأمريكية بين 3.75% و4%، ومرشحة للارتفاع. هذا الفارق يجعل الاحتفاظ بالدولار أكثر جاذبية.
-
عوامل محلية. الغموض السياسي بعد الانتخابات الإسرائيلية في 27 أكتوبر، والتوتر المستمر مع إيران، يدفعان المستثمرين الأجانب إلى طلب علاوة مخاطر أعلى على الأصول الإسرائيلية.
ما الذي قد يقلب الصورة؟
في المقابل، هناك ثلاثة عوامل قد تعيد القوة إلى الشيكل:
-
تعافي ناسداك: الاقتصاد الأمريكي قوي وأسواق الائتمان هادئة، والهبوط وصفه محللون بأنه رد فعل انفعالي. أي عودة للشراء في أسهم التكنولوجيا ستعيد تدفق البيع للدولار.
-
اتفاق مع إيران: تراجع التوتر الإقليمي يخفض علاوة المخاطر على الأصول الإسرائيلية، ويجذب المستثمرين الأجانب مجدداً.
-
بنك إسرائيل: قراره المقبل في 23 نوفمبر. إذا رأى أن ضعف الشيكل يهدد بعودة التضخم، قد يتوقف عن خفض الفائدة، ما يدعم العملة.
ثلاثة سيناريوهات للدولار أمام الشيكل
السيناريو الأرجح هو تذبذب الدولار بين 3.14 و3.24 شيكل، تبعاً لأداء ناسداك. الاحتمالات والمستويات تقديرات تحليلية، لا توقعات مؤكدة.
السيناريو
|
الاحتمال
|
ناسداك
|
الدولار/شيكل
|
تذبذب حاد
|
50% تقريباً
|
يتحرك صعوداً وهبوطاً دون اتجاه واضح
|
بين 3.14 و3.24
|
قوة إضافية للدولار
|
30% تقريباً
|
موجة هبوط ثانية بسبب الفائدة أو قرار تنظيمي
|
اختراق 3.22 نحو 3.30
|
عودة قوة الشيكل
|
20% تقريباً
|
تعافٍ سريع مع اتفاق مع إيران
|
عودة نحو 3.10 إلى 3.12
|
المستوى الفاصل هو 3.22 شيكل، قمة يوم الخميس. إغلاق الدولار فوقه، مع هبوط جديد في ناسداك، يرجّح استمرار قوة الدولار.
الخلاصة: راقب ناسداك أولاً
من يريد توقع اتجاه الدولار أمام الشيكل في الأسابيع المقبلة، عليه أن يبدأ من شاشة ناسداك قبل أي مكان آخر. لكن ناسداك وحده لا يكفي، ويجب أن يُقرأ إلى جانب فارق الفائدة والملفين السياسي والإيراني.
أبرز ما يجب مراقبته:
-
أداء أسهم الرقائق مع افتتاح الأسبوع.
-
بيانات التضخم الأمريكية قبل قرار الفيدرالي في 9 ديسمبر.
-
قرار بنك إسرائيل في 23 نوفمبر.
-
مفاوضات إيران وانعكاسها على شهية المخاطرة.
هذا المقال تحليل للسيناريوهات، وليس توصية استثمارية.
المصادر
مجدي النوري
محلل أسواق مالية ومختص في التحليل الاقتصادي والمالي، يتمتع بخبرة تمتد لأكثر من 16 عامًا في مجال تحليل الأسواق، مع تركيز خاص على التحليل الأساسي للاقتصاد والأسواق المالية، وقد عمل مع جهات رقابية حكومية ومؤسسات مصرفية ووسائل إعلام عالمية في إعداد المحتوى والتحليل الاقتصادي.